ولد خيبان
لاتبالو بما اكتب حتى لا تبحث عنكم الشرطة

الحلاق وانا



اتعس ايام حياتى هو اليوم الذى تسوقنى به قدمى الى الحلاق .. اى حلاق .. هذا اللقاء ثقيل الدم  احاول قدر امكانى ان ااخره الى اقصى فترة ممكنه .. لا لشى كون انى عادتا لا اخرج من عند الحلاق سعيدا بما فعله بى .. بل يكون يومها اعلان رسمى لفرض الطوارىء براسى الحليق.

 

منذ ان كنت صغيرا اعتاد والدى – رحمه الله - ان يسوقنى الى الحلاق الذى يحلق هو عنده .. يبعد عن منزلنا شارعا واحدا .. الحلاق صديق والدى كان يقص لى شعرى بطريقة سريالية عجيبة .. فرغم نعومته وكثافته الا ان راسى تبدوا بعد كل حلاقة كما لو انى استعرت راس كائن غريب .. سالت الحلاق ذات مرة عن الكليه التى تخرج فيها .. فابتسم ابتسامه هادئة وصمت وهو يستدير لينهمك فى رسم امتداد لطريق (صلاح سالم) فى راس احد زبائنة .. الا ان والدى همس فى اذنى قائلا بحزم (اصمت .. عمك الحلاق جنينى سابق)

السر الذى افشاه لى والدى كان سببا كافيا فى اعلان الانقلاب على (عمى الحلاق) - الجنينى سابقا – لكن يبدوا ان ثورتى لم تكن كافيه كى ينصاع والدى لهذا الانقلاب .. منحنى علقى ساخنة واخذنى عند الجنينى السابق ليزرع راسى بالخرائط من جديد .

واول مره عرفت فيها ان (الاتحاد قوة) هو اليوم الذى استطعت فيه استقطاب تعاطف والدتى العزيزة التى كانت حليف قوى كون معى جبهة لتحرير راسى من الحلاق الجنينى .


 


وتحرر راسى بالفعل من براثن احتلال الحلاق السريالى صديق والدى .. عام 1988 .. لارفع عليها علم حلاق اخر .. المستعمر الجديد يدعى (الاسطى كرم) .. لن انسى اول يوم يحلق لى فيها .. كنت سعيدا جدا وهو يزيح الشعر عن جنبات راسى بماكينة كهربائية زنانة .. وبعد لحظات اتضحت المعالم الجهنمية للقصّه التى طلبت منه ان يجسدها لى .. (كابوريا) انها تلك القصة التى تلقيت على اعقابها علقة ساخنه مجددا من والدى لم ياخذها (حوت فى كهف بحرى) .. وبعد مداولات وتهديد بالذهاب مرة اخرى الى الاسطى الجنينى الحلاق .. وعدت والدى الا اقم بتكرار الحلاقة بهذا الشكل مرة اخرى .

وتعددت الحلاقات عند (الاسطى كرم) وفى كل مرة اذهب له اجد باب الدكان الصاجى المعرج مغلق نصف غلقه .. بينما يجلس الاسطى كرم مع رفاقة يتعاطون مخدر (الحشيش) فى انسجام .. كنت سعيدا بهذا الامر وخائف فى نفس الوقت .. سعيد لانى اسمع ان الحشيش يرفع من الحالة المزاجية (للحشاش) .. الامرالذى يبشر بابداعا ما سيحدث فى راسى من الاسطى كرم المسطول .. لكن ارتعاشه المقص فى راسى المعلنه عن خلالا ما حدث فى جهازة  الاسطى العصبى كان يجعلنى ادعو ان اذهب الى بيتى سالما بدون سوء .. و السوء فى هذه الحاله هو ما يزيد عن ثلاث جروح تشلب دما ترى بالعين العمشاء فى اذنى و(قفايا) .

 

وتركت الحلاقة عند (الاسطى كرم) المزجنجى .. ليس لانى مللت اخطائة البسيطة فى راسى الصغير كأن يحلق لى جانب ويترك الاخر من راسى .. او الاستراحة من شخطاتة المتكرره فى قائلا (ياد اعدل دماغك متتعبنيش) تابعا الجملة الاخيرة بزغد .. ولا شئ من هذا القبيل .. بل السبب (كبسة) من قبل رجال وزارة الدخلية على هذا الوكر المسمى بصالون (الاسطى كرم)  راح الرجل على غرارها الى شهورا خلف القضبان .. والذى اتيقنه ان القبض عليه جاء بناء عن مكالمة جائت لشرطة مكافحة المخدرات من فاعل خير .. ليس انا بالطبع .. فلو استطعت حينها لفعلت لاخلص البشر من شروره.

 

وفى عام 1996 وبعد حبس الاسطى كرم فى قضية تعاطى مخدرات اتجهت اسال اهل الخير عن حلاق يجيد المهنة .. شار علىّ صديق الذهاب الى حلاق ماهر جدا – هو يقول ذلك – يدعى (الاسطى زكريا) .. عرفت فيما بعد انه شقيق (الاسطى كرم) .

الحق يقال .. الاسطى زكريا كان افضل سلوكا واخلاقا من اخية .. حيث لم يشخط فى مرة .. ولم يطالبنى بفلوس الحلاقة قبل ان احلق كما كان يفعل اخية .. بل كان عيبه انه دائم الكلام عن امجادة فى المهنة .. حكى لى قصة حياته على حلقات .. مغامرات ورحلات فى الحلاقة ولا السندباد فى زمانه .. بريق عينيه الذى بيدوا ظاهرا لى فى المرآه - وانا جالسا امامه على كرسى الحلاقة – وهو يروى لى امجاده كان مقلقا .. فراح يحكى مغامراته فى العراق وكيف كان زائع الصيت وان الرئيس صدام حسين استدعاه بالاسم كى يحلق له .. وكيف هو رفض الانصياع لاوامر رجل لا يشكل على سطح كوكب الارض سوى رئيس دولة .. وهرب بعدها الى لبنان وشكل وجوده هناك طفرة فى رؤوس البشر .. وانه بنهاية المطاف قرر العودة الى مصر زاهدا الشهرة .. ليعمل فى اشهر صالونات الحلاقة فى فنادق مصر .. وانه حقق شهرة اكبر بدون قصد او ترتيب وصار الفنانين يطاردوه فقط من اجل ان (يدب) مقص فى رؤسهم ولو عن طريق الخطاء لتحل بركة الجمال بها .. فهرب من كل ذلك ذات ليله واتى  هذا الحى الشعبى المتواضع فى خلسه .. ليعكف فى دكانه الايجار القاطن فى حارة (مقطوعة) لا يقترب منها الزبائن ولا حتى بالصدفة كى يروى لاى زبون يقع تحت يده قصته التى عرض علىّ ان اكتبها له فى صورة مذكرات عندما عرف انى اهوى الكتابة مقابل الحلاقة عنده مجانا مدى الحياة.

ولم يكن الاسطى زكريا حكواتى ماهر واسع الخيال فحسب بل كان ايضا صاحب نظرية وهى فساد نظرية (كرسى الاعتراف) .. بعد ان اثبت لى عمليا ان الاعتراف لا يستوجب جلوس على كرسى بامرة انه (هرانى) اعترافات وهو واقف يحلق لى وانا الذى اتعذب على الكرسى ولا استطيع الاعتراف بذلك .

 

وكان السبب الاوحد لهروبى من الاسطى زكريا هو شعورى ان اذنى قد كبر حجمها .. ليس لانى كنت اسمع كثيرا له بل لتمرسها على التقاط الاصوات البعيدة فى دكانه المنزوى فى حارة هادئة جدا جدا .. لاشغل نفسى عن نخعه الذى لا ارى منه اى امارة على راسى بعد كل حلاقة .



فى عام 1997 انتقلت براسى الذى يحيرنى امره الى (سامح) .. وهو حلاق شاب يختلف عن الحلاقين السالف ذكرهم .. حيث كان لا يقل عمر الواحد فيهم عن الـ 45 عام .. توسمت فى هذا الحلاق خير .. وتمنين ان اقضى معه باقى حياتى .. الا ان الله لم يشاء ان يطول تعاوننا بعد ان حضرت الواقعة التاليه فى صالونه (الروش) .. كان يتقدمنى شاب فى الدور وكنت فى انتظار انتهاء (سامح) من ازالة (حمام كريم) من راس هذا الشاب الذى انتهى من اعداد القصّه له ..  قبل ميعاد ازاله (حمام الكريم) بدقائق راح يصرخ الشاب وهو يتنطط (راسى .. راسى .. الحق يا سامح .. حرقان) فهمّ سامح ووضع راس الشاب تحت حنفيه الماء .. ليزيل حمام الكريم .. وبلفعل .. زال حمام الكريم وزال شعر الشاب ايضا .


 


لم يكون القائل (لا محبة الا بعد عداوه) صادقاَ فقط .. بل كان يحلق عند (احمد الحلاق) ايضا .. هذا الشاب الذى رفض الحلاقة لى بعد ان ذهبت له فى (وقفة) احد الاعياد بالحاح واجماع شديدين من اصدقائى على ان الحلاقة امر ضرورى وشرط للخروج معهم اول ايام العيد بعد ان طال شعرى بشكل غير طبيعى وغير مهذب لهجرتى الحلاقين بعد واقعة (سامح) الحلاق الكوارثى .. وبمباركة شديدة منهم – اصدقائى- قبلت الذهاب لذلك الحلاق (التنك) الذى خرج بملامح ثابته ليقف على باب دكانه وفى يده المقص والمشط  وفى اذنه فم صاحبى يترجاه ويتوسل اليه ان يقبل هذه الحاله التى سوف تاخذ منه مجهود ووقت فى طابور طويل من الشباب طالبين الحلاقة من زبائنة الدائمين .. وفى نهاية الامر طلب منهم ان يخبرونى ان ااتى له بعد (صلاة العيد) قال لهم ذلك وهو يتفحصنى بنظرة اشمئزاز وقرف وتناكة بديهية فى وقت واحد .

ثورتى على اصدقائى لم تخيب امالهم بل صاروا يقنعونى بقولهم  (ان هذا الحلاق سرة باتع وسوف يحيل راسك المهجور الى جنة .. وليس بعيدا ان تخرج من تحت يده ذات مرة (جيمس دين)) .

ولم اذهب لهذا الحلاق رغم كل ما رسمه لى  اصدقائى من احلام وردية بان حال راسى المائل سينصلح على يده .. فكرامتى كانت تنقح علىّ بشدة .. بعدها بفترة عاود الحاح اصدقائى الذين رفضوا ان يخروجوا معى بمنظرى (الحجرى) .. كنوع من الضغط علىّ .. الا انى عصرت على نفسى بعضا من ثمار الليمون وذهبت اليه .

 

(مش انت اللى جتلى قبل كده ومشيتك؟) انها اول جملة وجهها لى الحلاق الذى يدعى احمد .. وقبل ان يعاود رد فعلى الصارم بقرار الرحيل عن هذا الوغد المستفز .. همس صديقى فى اذنى سريعا (بيهزر.. بيهزر والله العظيم بهزر) .. بينى وبينكم افتعلت العبيط .. حيث منظرى وقتها كان لا يطاق .

وصلت الى كرسى الحلاقة فى صالون (احمد الحلاق) عام 1998.. نظر لى فى المرآة وسالنى عن القصّه التى اريد منه تنفيذها فى راسى .. فاخذت اشرح له وجهه نظرى فى راسى الذى تغول واشيح بيدى كالمايسترو هنا وهناك بابعاد ثلاثية .. مستخدما صياغة بليغة ومحسنات بديعية لها مدلولها العميق .. ولا جدال ان احمد الحلاق الشاب (التنك) تكشفت فيه مدى رحابة صدرة فى الاستماع الى شرحى وامنياتى فى ان تكون (القصّه سعيدة) .. اول من تحدث بعد انتهائى من الشرح المسهب هو الزبون الذى كان يحلق قبلى .. سالنى على مرائى ومسمع من الحلاق (انت مش قلتله انت عايز تتحلق ايه؟) فامات له براسى بالايجاب .. فقال (هو بقى هيحلقلك على مزاجة) .. وانطلق هذا المخبول وهو يضحك بهستريا بعد ان دس الحساب فى جيب بنطلون الحلاق الخلفى .. بلا مبالاه من الاخير سوى كلمة (متخلّى).

 

خلعت نظارتى الطبية التى تفرق معى الدنيا كثيرا بعد ان اتخلى عنها .. الرؤيا حينها تكون عبارة عن خيالات غير مجدية التامل فيها .. انتهى الحلاق من هندسة راسى وسالنى (بص كده .. عايز حاجة تانى؟) .. تحسست النظارة من امامى لاضعها على عينى لارى احلامى بعد ان اصبحت حقيقة  على يده .. ارتديت النظارة .. فلم اجد الا كلام الزبون المخبول سالف الذكر قد تحقق .. لا شى مما قلته للحلاق باديا على راسى .. صارحته باكتشافى .. فلم ينكرالحلاق قائلا (كده احسن) .. وبعد عراك كلمى شديد اتفقنا على قصّه تريح غروره واستطيع ان اسير بها فى الشارع نصف محرج.

ودبت بينى وبين هذا الحلاق صداقة شديده .. لكنى قرارت ان اتركة بعد ان ذابت شفتى من وصف القصه التى  اراها مناسبه لوجهى  ويكون نتاجها قصات اخرى لا علاقة لها بما قولت .. فانقطاعى عنه وتهربى من سؤاله المتكرر عنى ومراسيله التى لا تنقطع لى .. كانت نتيجة افعاله .. وانتهت اسطوة هذا الحلاق من حياتى  باتصال تليفونى منى كان نصه (ياحمد انسى موضوع الحلاقة .. انت صحبى ومش عايز اخسرك).


 


و(مايكل) الذى اسمه فى الحقيقة (خليل) لكن اصدقائة اطلقوا عليه هذا الاسم نسبه الى روشنته الشديدة الشبيه بـ (مايكل جاكسون) .. معلهش مشيها روشنته - هو اخر حلاق اتعامل معه .. لم اكف عن لعنه بعد كل حلاقة .. لو ان المرآة التى تقطن بمنزلى باحت له بما اقوله عنه بعد كل حلاقة .. لقتلنى مع سبق الاصرار و الترصد .. لكنى كرهت التنقل عند الحلاقين .. فتتعدد الحلاقين والقصات واحده لا تريحنى .. والذى يصبرنى على هذا البلاء هو اختراع عظيم جدا اسمة (الكاب) وهى طقية فى مقدمتها لسان كرتونى او بلاستيكى مقوص الى اسفل .. ارتدية مرتين الاولى عندما يطول شعرى جدا.. فيكون – الكاب- هو السبيل فى تاجيل ذهابى الى الحلاق لاطول فترة ممكنه ..اما المره الثانية  تكون بعد كل حلاقة .. فارتدية الى ان يطول شعرى فتختبا كل العيوب التى يخلفها (الحلاق الجكسونى) فى راسى .

ومن طريف ما اذكر انه سبق استضافتى فى ثلاث برامج تليفزيونية فى اسبوع واحد و لجل الحظ  كان هذا الاسبوع هو الاول بعد اجرائى عملية الحلاقة .. وكانت النتيجة انى ذهبت للتصوير فى جميع البرامج مرتديا الكاب .. مما اثار حولى الاقاويل و اللغط .. فاتهمنى البعض بالروشنة الزائدة لحد العته .. واخرون قالوا عنى انى اصلع .. وفريق ثالث وصفنى بالنمرود الذى لا يقدر نعمة الله عليه بان اعطاه شعرا ناعما افسده بالكاب اللعين .. الا انى اعلن امام الجميع ماساتى مع الحلاقة كما فعل الكاتب الكبير الاستاذ احمد رجب فى كتابة (كلام فارغ) .. فلا كذب ولا ادعاء حين اقول انى اكثر المتعاطفين مع الكاتب الكبير.. فالماساة واحده .. ولا اخفى عليكم انى لا اطيق الحلاقة عموما والحلاق الذى استقريت عنده لسنوات طويله خصوصا .. فتجدنى اسال كل من اعرفه وتربطنى به صداقة (والنبى معندكش حلاق كويس ليا؟) بطريقة كما لو انى ابحث عن عيل تائه.. عموما هذه ماساتى اتعظوا منها .. وما اراكم الله مكروها فى راسىً لديكم .


WALDHKYBAN@YAHOO.COM

WALDHKYBAN@HOTMAIL.COM

(1) تعليقات